ابن الجوزي
274
صيد الخاطر
228 - جماعة من الصالحين قد سمعنا بجماعة من الصالحين عاملوا اللّه عز وجل على طريق السلامة والمحبة واللطف فعاملهم كذلك ، لأنهم لا يحتمل طبعهم غير ذلك . ففي الأوائل برخ العابد خرج يستسقي فقال : ما هذا الذي لا نعرفه منك ؟ اسقنا الساعة . فسقوا . وفي الصحابة أنس بن النضير يقول : واللّه لا تكسر سن الربيع . فجرى الامر كما قال . فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن من عباد اللّه من لو أقسم على اللّه لأبرّه . وهؤلاء قوم غلب عليهم ملاحظة اللطف والرفق فلطف بهم ، وأجروا على ما اعتقدوا . وهناك أعلى من هؤلاء يسألون فلا يجابون ، وهم بالمنع راضون ، ليس لأحدهم انبساط ، بل قد قيدهم الخوف ، ونكّس رؤوسهم الحذر ، ولم يروا ألسنتهم أهلا للانبساط ، فغاية آمالهم العفو ، فان انبسط أحدهم بسؤال فلم ير الإجابة عاد على نفسه بالتوبيخ ، فقال : مثلك لا يجاب . وربما قال : لعل المصلحة في منعي . وهؤلاء الرجال حقا ، والأبله الذي يرى له من الحق أن يجاب فإن لم يجب تذمّر في باطنه كأنه يطلب أجرة عمله ، وكأنه قد نفع الخالق بعبادته . وإنما العبد حقا من يرضى ما يفعله الخالق فان سأل فأجيب رأى ذلك فضلا ، وان منع رأى تصرف مالك في مملوك ، فلم يجل في قلبه اعتراض بحال . 229 - الواجب على العالم والزاهد رأيت جماعة من العلماء يتفسّحون ويظنون أن العلم يدفع عنهم ، وما يدرون أن العلم خصمهم ، وأنه يغفر للجاهل سبعون ذنبا قبل أن يغفر للعالم ذنب ، وذاك لأن الجاهل لم يتعرض بالحق ، والعالم لم يتأدب معه . ورأيت بعض القوم يقول : أنا قد ألقيت منجلي بين الحصادين ونمت . ثم كان يتفسح في أشياء لا تجوز . فتفكرت فإذا العلم الذي هو معرفة الحقائق ، والنظر في سير القدماء ، والتأدب بآداب القوم ، ومعرفة الحق وما يجب له ليس عند القوم ، إنما عندهم صور ألفاظ يعرفون بها ما يحل وما يحرم ، وليس ذلك العلم النافع . إنما العلم فهم الأصول ومعرفة المعبود وعظمته وما يستحقه . والنظر في سير الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وصحابته ،